الدكتور:ناجي عبد النور
قسم العلوم السياسية
–جامعة عنابة-الجمهورية الجزائرية
البريد الإلكتروني: nadjiabdenour@yahoo.fr
الأبعاد غير العسكرية للأمن في المتوسط :
ظاهرة الهجرة غير القانونية في المغرب العربي
مقدمة:
مع التطورات التي شهدها النظام الدولي، تم إعادة النظر في كافة الافتراضات الأساسية للنظريات الأمنية في العلاقات الدولية. فضلاً عن ذلك، أصبحت المشاكل التي تتعدّى المسائل السيادية والتي تُعرف بالمخاطر الجديدة، مثل: (تهريب المخدرات، والجريمة المنظَّمة عبر الدول، وتهريب المواد النووية، وتحركات اللاجئين والهجرة غير الشرعية، والمخاطر البيئية، والإرهاب الدولي) تطغى على أجندة العلاقات الدولية.
إن إدخال القضايا الأمنية غير التقليدية التي اصطلح علي تسميتها "الأبعاد غير العسكرية للأمن " ضمن جداول أعمال ترتيبات الأمن الإقليمي، حيث أصبح هناك قائمة طويلة من المشكلات الأمنية التي لا ترتبط بامتلاك واستخدام القوة العسكرية، بل ومنها مشكلة الهجرة غير القانونية والمتمثلة في التدفق البشري المفاجئ والمتزايد من الجزائر نحو الضفة الشمالية الشمالية.ففي ظل تنامي وتدعيم لسياسات غلق الحدود ومنع الهجرة مصحوبة بتنامي المعاداة للمهاجر وتكريس الصورة، السلبية له خاصة بعد الأحداث الدامية (11 سبتمبر) وسيطرة الهاجس الامنى على سياسات الهجرة فى دول الاستقبال الغربية.و استمرار أو تفاقم تداعيات العولمة والأزمة الاقتصادية من بِطالة وغلاء معيشة علاوة على التأثيرات البليغة لعولمة المعلومات عبر وسائل الإعلام والاتصال المتزايدة الانتشار مما زاد من عوامل الطرد والرغبة في الهجرة، وما ترتب على هذا ضغط متواصل على الهجرة وتفاقم في الهجرة غير النظامية مخلفّةً مآسي إنسانية تجلت صورتها في قوارب الموت بالبحر الأبيض المتوسط والتي باتت مع الأسف ظاهرة متكررة ،ومن ناحية أخرى ظهرت سياسات الهجرة الانتقائية مما ترتب عليه ارتفاع متزايد في هجرة الكفاءات نتاج الإغراءات والتسهيلات المتاحة لهم مقابل ضعف البنية الداعمة لبقائهم فى بلدان الإرسال.
الإشكالية:
في سياق المعالجة العلمية لهذه الظاهرة وارتباطها بالأمن سيتم طرح الإشكالية التالية:
- ما هي الأسباب الجوهرية التي أدت إلى الهجرة غير الشرعية؟
- ما مدى تأثير هذه الظاهرة على استقرار الأمن في المتوسط؟ وكيف يجب التعامل والتعاطي مع نتائجها ؟
- ما هي الآليات والميكانيزمات اللازم إيجادها لتفعيل دور الهجرة في التكامل الاقليمى العربي والمتوسطي؟
أهمية الدراسة:
تنبع أهمية الدراسة، من خلال أهمية الموضوع الذي تعاجله والمتعلق بالهحرة الغير قانونية ففي ظل الظروف والمتغيرات الدولية الحالية وانعكاسات العولمة وتصاعد الاهتمام الدولي بقضايا الهجرة والتنمية والأمن، ومع تزايد تدفقات الهجرة في عالمنا المعاصر وتنوع أشكالها من هجرة منتظمة إلى هجرة غير منتظمة ومن هجرة عمل مؤقت إلى هجرة دائمة ، وتزايد أعداد عابري الحدود كل يوم ،ومع الاهتمام الدولي بالحقوق الإنسانية للمهاجرين ، فقد تزايد معها اهتمام الحكومات الوطنية والمنظمات الدولية والإقليمية بهذه الظاهرة وليس أدل على ذلك من تخصيص الجمعية العامة للأمم المتحدة اهتمامها بمسألة الهجرة الدولية في العديد من المناسبات
المحاور:
أولا:مفهوم الأمن وأبعاده الجديدة.
ثانيا :الأهمية الإستراتيجية لمنطقة المغرب العربي و السياسة الأوروبية الأمنية.
ثالثا :مفهوم الهجرة غير القانونية وأسبابها في منطقة المغرب العربي.
رابعا :انعكاسات ظاهرة الهجرة غير الشرعية على الأمن المتوسطي و آليات مواجهة الظاهرة.
اولا: مفهوم الأمن وأبعاده الجديدة
ا-مفهوم الامن في ظل التحولات الدولية :منذ تسعينيات القرن الماضي، ظهرت متغيرات جديدة أدّت إلى نشأة مناخ أمني جديد كان له تأثيره على مفهوم الأمن، وبخاصة جانبيه السياسي والعسكري، أهمها:
1-تبوأ الولايات المتحدة منزلة القوة السياسية، والعسكرية، والاقتصادية المسيطرة على النظام العالمي.
2-التراجع المطرد في مفهوم السيادة الوطنية
3-إعطاء أولوية متقدمة للاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية على الاعتبارات السياسية.
4-تنامي ظاهرة الاعتماد الدولي المتبادل، وبروز صورة جديدة من صور التقسيم الدولي للعمل.
5- اتساع نطاق تدخل المجتمع الدولي في الشؤون الداخلية للدول.
6-التحوُّل (الجزئي) في طبيعة مصادر التهديد التي تواجه الدولة القومية؛ إذ لم يصبح التهديد العسكري الخارجي هو مصدر التهديد الوحيد لأمن الدولة، كما يفترض أنصار المنظور الواقعي، حيث ظهرت مصادر تهديد جديدة، ليست بالضرورة مصادر عسكرية، ومنها: تجارة المخدرات عبر الحدود، والجريمة المنظّمة، وانتشار الإرهاب الدولي، والأمراض والأوبئة كالإيدز، وانتشار الفقر، والتلوُّث البيئي والهجرة غير القانونية ... إلخ(1)
ب-مفهوم الامن في زمن العولمة: يعني الأمن قدرة الدول على الحفاظ على هويتها المستقلة ووحدتها الوظيفية، ثم وُسّع مفهوم الأمن ليشمل القيم والوطنية وسلامة السكان، والرفاه الاقتصادي والمعيشي، ويجد آخرون مفهوم الأمن الوطني في حماية سيادة الدولة .
بدأ مفهوم الأمن الوطني يتسع ويأخذ أبعاداً وجوانب كثيرة ومعقدة، مثل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والعوامل الثقافية والعرقية؛ لأنها تتحكم في العلاقة بين المجتمعات، وتشكل أحياناً تهديد.
وقد بدأت تهديدات جديدة عدة ومعقدة تواجه الأمن الوطني منذ نهاية الحرب الباردة غيّرت كثيراً في مفهومة وأبعاده، وبدأت تظهر بقوة مصطلحات ومفاهيم مثل الأمن الاقتصادي والأمن الاجتماعي، ذلك أن المجتمعات مع قضايا الهجرة والعولمة والاتصالات بدأت تواجه تهديداً في هويتها وبقائها لا يقل خطورة عن التهديد الذي تواجهه الدولة، وإذا كان التهديد ضد أمن الشعوب، والأمم لم يعد يأتي من القوات المسلحة للدول، وإنما من الركود الاقتصادي والاضطهاد السياسي،وندرة الموارد، والصراع العرقي والثقافي، والإرهاب والأمراض والأوبئة، والتلوث، فإن مفهوم الأمن وأهدافه ومجالاته تغيّرت تغيّراً كبيراً.
وهكذا فقد أصبح البشر هدفاً وموضوعاً للأمن؛ فالعالم بدأ يواجه تحديات مثل الصراعات الداخلية الإثنية مما يصعب مواجهته بالقوة العسكرية، وتشكل الأوبئة (مثل الإيدز وإنفلونزا الطيور) مع اتساع نطاق الاتصال والسفر تهديداً مرعباً قد يضر بالدول والمجتمعات أكثر من الحروب والتهديد العسكري.(2)
ج-المفهوم الأوروبي للأمن: يقترن المفهوم الأوروبي للأمن بالمساعي الأوروبية لجعل منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط منطقة سلام واستقرار دائمة، وذلك من خلال الانخراط المستمر في حوار سياسي وأمني بين شعوب ودول المنطقة. ويتسم المفهوم الأوروبي للأمن عموما بالتعقيد، حيث إن المتفحص لأدبيات الموضوع يمكنه ملاحظة أن الاتحاد الأوروبي يعمل على(3):
-. الحد من الهجرة غير الشرعية إلي أوروبا، لا سيما أن عدد المهاجرين الأجانب في الاتحاد الأوروبي قد وصل عام 2005 إلى 14 مليون. ويصل معدل الزيادة السنوي للمهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين في أوروبا إلى حوالي 1.5 مليون مهاجر هدفهم الاستقرار
-محاربة الإرهاب، لا سيما أن أوروبا قد عانت وتعاني من نشاطات إرهابية، مثل تفجيرات مدريد ولندن.
-نزع أسلحة الدمار الشامل، خاصة وأن أوروبا قد عانت من حربين عالميتين مدمرتين.
- نشر المبادئ والقيم الأوروبية، لا سيما ما يتعلق منها بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
- حل إشكالية الصراع العربي-الإسرائيلي والقضية الفلسطينية وفق قرارات الأمم المتحدة بالخصوص وخارطة الطريق، وتطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية لكي يعم الاستقرار والأمن حوض البحر الأبيض المتوسط.
-تفعيل سياسة الجوار الأوروبية مع الدول العربية-المتوسطية بشكل خاص، والدول العربية بشكل عام.
- استمرار الحوار على كافة الأصعدة الأمنية والسياسية.
ثانيا :الأهمية الإستراتيجية لمنطقة المغرب العربي و السياسة الأوروبية الأمنية:
ا- الأهمية الإستراتيجية لمنطقة المغرب العربي
بنهاية الحرب الباردة وظهور النظام الدولي الجديد، بدأ التنافس الأوروبي يبدو جليا على منطقة المغرب العربي، حيث قدمت الولايات المتحدة مشروعها الشرق أوسطي ومبادرة إيزنستات للشرا كة، وفي المقابل قدم الاتحاد الأوروبي مشروع الشراكة المتوسطية، وكلا المشروعين يضمان دول المغرب العربي، ولقد بلغت المنافسة ذروتها بعد تقديم هذين المشروعين اللذين يعتبرهما الكثير وجهين جديدين من وجوه الاستعمار بما ينطويان عليه من استغلال ونهب لخيرات المنطقة، وبهذين المشروعين أخذت المنافسة صبغة اقتصادية. وعليه أصبحت منطقة المغرب العربي مرشحة لاستقبال الكثير من تناقضات النظام العالمي الجديد على ساحتها.
والصراع على المنطقة ليس وليد الفترة الراهنة، إنما يعود لعهود خلت، عندما كانت بريطانيا وهي دولة أوروبية غير متوسطية تحاول بسط هيمنتها على المتوسط من خلال سيطرتها على جبل طارق وقبرص ومالطا، لكن أمريكا ومنذ عام 1783 تولدت لديها الرغبة في السيطرة على المتوسط وذلك من خلال التوقيع على عدة معاهدات تجارية مع الدول المغاربية. وفي عام 1794 أرسلت لأول مرة في تاريخها باخرة حربية إلى البحر المتوسط والتي تعد الجد الأكبر للأسطول السادس، ولقد حاول الفرنسيون آنذاك منع الأمريكيين لكنهم لم ينجحوا . ومنذ عام 1963 أي منذ عهد كيندي كانت الجزائر بالنسبة للأمريكيين تمثل "مفتاح شمال إفريقيا"(4) نظرا لموقعها الاستراتيجي على منطقة جنوب المتوسط وما تملكه من ثروة نفطية والتي تشكل شريان الاقتصاد العالمي، إضافة إلى تصاعد المخاطر الأمنية في المنطقة.
تحتل منطقة المغرب العربي موقعا جغرافيا واستراتيجيا هاما، وهي نقطة التقاء القارات الثلاث: أوروبا، إفريقيا، آسيا، ونقطة تواصل بين المحيط الأطلسي والهندي ومهد الحضارات الثلاث ويقدر سكان المنطقة بأكثر من 100 مليون نسمة، يتوزعون على رقعة جغرافية تزيد مساحتها عل ستة ملايين من الكيلومترات المربعة (كم2)(5) وسواحلها لا تبعد الكثير عن أوروبا (حوالي
وتحتوي المنطقة على موارد وثروات باطنية هامة، خاصة النفط والغاز الطبيعي، إذ تضم 2/3 من الاحتياطات العالمية من النفط(6) والمتواجد بالجزائر وليبيا، والفوسفات في الغرب، وتختزن الجزائر حوالي 3.7 ترليون م3 من احتياطي الغاز الطبيعي مما يضعها في المرتبة السادسة عالميا في هذا المجال ووهو ما يوازي نحو 6% من مجموع احتياطي الأوبيك.
ولقد عززت إطلالة دول المغرب العربي على البحر الأبيض المتوسط من مكانتها، وللبحر المتوسط أهمية كبرى بالنسبة لأوروبا بضمه مضائق مائية هامة كمضيق جبل طارق وقناة السويس والمضايق التركية، ولذا يعتبر البحر المتوسط شريان الحياة الاقتصادية للضفة الشمالية والجنوبية للحوض.
ب- السياسة الأوروبية الأمنية في المغرب العربي .
لقد كانت منطقة المغرب العربي ولعقود طويلة منطقة نفوذ أوروبية، وكانت فرنسا، إيطاليا، إسبانيا والبرتغال أهم الدول الاستعمارية التي تولت اقتسام المنطقة على إثر مؤتمر برلين عام 1858 والذي كرس الاستعمار الأوروبي في القارة الإفريقية عموما وفي منطقة المغرب العربي بوجه خاص، وتعتبر فرنسا الدولة الأوروبية الأولى من حيث قوة نفوذها وقدرتها على الحركة في شمال إفريقيا والأقطار المغاربية، ولقد حافظت على علاقاتها بهذه الدول بعد استقلالها نتيجة سياسة تعاونية محكمة طبقتها مع هذه الدول في المجالات العسكرية والاقتصادية والثقافية.
وبعد اتضاح الرغبة الأمريكية في اختراق منطقة المغرب العربي من خلال اتفاقيات الشراكة والتعاون مع بلدانها لاسيما في ظل النظام الدولي الجديد سارعت الدول الأوروبية إلى تعزيز تواجدها التقليدي هناك من خلال ما يسمى بمشروع الشراكة الأورومتوسطية والذي يضم البلدان المغاربية الثلاث (تونس، المغرب والجزائر) إضافة إلى بلدان المتوسط ألأخرى.
1. تعريف مشروع الشراكة الأورومتوسطية:
يتمثل المشروع المتوسطي في البيان الصادر في مؤتمر برشلونة المنعقد في 28 نوفمبر 1995 والذي ضم 15 دولة من الاتحاد الأوروبي و12 دولة من جنوب المتوسط، ولقد تمخض عنه موافقة الأطراف المشاركة في الاجتماع على إقامة شراكة بين الاتحاد الأوروبي من جهة والبلدان المتوسطية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من جهة أخرى، وتتجسد الشراكة في ثلاث مجالات أساسية: الأول: يتعلق بالسياسة والأمن، والثاني: بالاقتصاد والمال، والثالث: بالنواحي الاقتصادية والثقافية. وتجدر الإشارة إلى تحقيق الشراكة مع تونس والمغرب، أما الجزائر فهي تستعد اليوم للالتحاق بركب هاتين الدولتين من خلال مصادقة البرلمان الجزائري علىاتفاقية الشراكة التي وقعت بين الطرفين.
ويجب الإشارة إلى أن صياغة المشروع المتوسطي جاءت بعد سلسلة من مبادرات واقتراحات قامت بها حكومات وبرلمانيين ورؤساء دول بدأ بصيغة (5+5) والتي عقدت أول اجتماع لها سنة 1988 جمع خمس دول من أوربا ودول الاتحاد المغاربي، إلى صيغة مؤتمر الأمن والتعاون الذي عقد أول اجتماع له بمدينة بالما PALMA وشارك فيه ممثلو دول منطقة ألأمن والتعاون الأوروبي إلى جانب دول المتوسط (باستثناء الأردن)(6).
2. أهداف المشروع: يسعى المشروع إلى تحقيق جملة من الأهداف:
- في المجال السياسي والأمني:
1). تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة عبر حوار سياسي منتظم يستند إلى جملة من المبادئ منها:
العمل وفقا لميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
تطوير حكم القانون والديمقراطية في الأنظمة السياسية.
احترام حقوق الشعوب وحقها في تقرير مصيرها ...إلخ.
2). تنمية روح التسامح وكبح جماح التطرف والعنصرية وكراهية الأجانب.
3). تعزيز التعاون في مجال الوقاية من الإرهاب ومكافحته، والمكافحة المشتركة للجريمة المنظمة ومحاربة آفة المخدرات.
4). تعزيز الأمن الإقليمي من خلال عمل الأطراف على منع انتشار الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، وذلك بتشجيع بلدان المنطقة على الانضمام إلى اتفاقيات منع انتشار هذه الأسلحة (7).
ثالثا :مفهوم الهجرة غير القانونية وأسبابها في منطقة المغرب العربي
ا-مفهوم الهجرة غير القانونية: تعني الهجرة في أبسط معانيها حركة الانتقال -فرديا كان أم جماعيا- من موقع إلى آخر بحثا عن وضع أفضل اجتماعيا كان أم اقتصاديا أم دينيا أم سياسيا.
تتعدد دلالات الهجرة بين هجرة سرية، هجرة غير شرعية، هجرة غير قانونية،
الهجرة الغير الشرعية هي انتقال فرد أو جماعة من مكان إلى أخر بطرق سرية مخالفة لقانون الهجرة كما هو متعارف عليه دوليا، أما المصطلح المتداول هو "الحرقة"، و معناه حرق كل الأوراق والروابط التي تربط الفرد بجذوره وبهويته على أمل أن يجد هوية جديدة في بلدان الاستقبال.
اما بالنسبة للهجرة بين ضفتي المتوسط التي تركز عليها هذا الدراسة فهي تسير وفق منطق التقلبات السياسية والمصالح الاقتصادية.
فإذا كانت الهجرة في السابق تتم بصورة انسيابية تبعا لأغراض محددة سلفا, كما كان للديمغرافية دور أساسي من خلال الهجرة في المواجهات الأولى بين الشرق و الغرب الذي حاول استغلالها لصالحه(8)
إن اعتماد مبدأ ترسيم الحدود بين الدول وتنازع المصالح السياسية والاقتصادية زاد من حدة التعاطي مع مسألة الهجرة، مع فارق مهم هو أن توالي موجات الهجرة في هذه الرقعة من العالم في العقود الأخيرة كانت تتم بصورة عمودية من الجنوب نحو الشمال.
وتعد الهجرة السرية أو غير القانونية أو غير الشرعية أو غير النظامية ظاهرة عالمية موجودة في الدول المتقدمة كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أو في الدول النامية بآسيا كدول الخليج ودول المشرق العربي، وفي أميركا اللاتينية وفي أفريقيا حيث الحدود الموروثة عن الاستعمار التي لا تشكل حواجز عازلة وخاصة في بعض الدول مثل ساحل العاج وأفريقيا الجنوبية ونيجيريا.
ولكن هذه الظاهرة اكتست أهمية بالغة في حوض البحر الأبيض المتوسط نظرا لاهتمام وسائل الإعلام بها، فأصبحت تشكل رهانا أساسيا في العلاقات بين الضفتين.
تعتبر المفوضية الأوربية هجرة غير شرعية فهو "ظاهرة متنوعة تشتمل على جنسيات دول ثلاث يدخلون إقليم الدولة العضو بطريقة غير شرعية عن طريق البر أو البحر أو الجو بما في ذلك مناطق العبور في المطارات، ويتم ذلك عادةً بوثائق مزورة، أو بمساعدة شبكات الجريمة المنظمة من مهربين وتجار، وهناك عدد من الأشخاص الذين يدخلون بصورة قانونية وبتأشيرة صالحة لكنهم يبقون أو يغيرون غرض الزيارة فيبقون بدون الحصول على موافقة السلطات، وأخيراً هناك مجموعة من طالبي اللجوء السياسي الذين لا يحصلون على موافقة على طلبهم لكنهم يبقون في البلاد".
إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد نقلت المتوسط وخاصة ضفته الجنوبية إلى أولويات الاهتمام الأمريكي والأوروبي، حيث أصبح الإرهاب ، من أكثر العوامل حساسية على الأمن الدولي. كما أعطي مفهوم الأمن أبعاداً جديدة بعضها سلبي وبعضها إيجابي. فالضربة الاستباقية هي صياغة جديدة للاستعمار القديم. في حين أن مفهوم الأمن لم يعد مقتصراً على الأمن العسكري، بل أخذ أبعاداً اقتصادية وسياسية واجتماعية. ولقد برزت تحديات أمنية جديدة في المتوسط مثل زيادة عدد السكان – الأوضاع الاقتصادية الصعبة – البطالة – الفقر، مع إغراءات (الأضواء اللامعة) التي تدفع الآن الشباب إلى الهجرة غير الشرعية نحو أوربا
ب-اسباب الهجرة :
أصبحت ظاهرة الهجرة غير الشرعية هاجسا لدى كثير من دول الشمال ويمكن تلخيص أسبابها كما يراها المختصون فيفي الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعيشها الفرد بلدان المغرب العربي، كما تبرز أسباب أخرى ذات أهمية بالغة في توجيه تيارات الهجرة السرية، ومن ضمنها القرب الجغرافي وكذلك طموح الشباب والبحث عن النجاح .
الأسباب الاقتصادية: يتجلى التباين في المستوى الاقتصادي بصورة واضحة بين دول الجنوب الطاردة ودول الشمال الجاذبة نظرا لتذبذب وتيرة التنمية في دول الجنوب المتوسط
-فشل السياسات الحكومية ، فإستمرار الحكومة في سياسة الإعتماد على القطاع الخاص فقط لتوفير فرص عمل جديدة يؤدي إلى تفاقم كارثة البطالة التي تدفع الشباب إلى الإنتحار الجماعي في البحر المتوسط
-عدم قدرت الحكومات على طرح حلول حقيقية وجذرية لمشكلة البطالة المتفاقمة في الريف والمدينة
-البحث عن الاستقرار الدائم و تحقيق حياة أفضل.
.
الأسباب الاجتماعية:-
-فشل في حل المشاكل الاجتماعية المتمثلة في الفقر و المجاعة و البطالة و الإمراض..
-صورة النجاح الاجتماعي الذي يظهره المهاجر عند عودته إلى بلده لقضاء العطلة، حيث يتفانى في إبراز مظاهر الغنى: سيارة، هدايا، استثمار في العقار.. إلخ، وكلها مظاهر تغذيها وسائل الإعلام المرئية.
الأسباب السياسية :
فشل الأحزاب السياسية زادت من تخلف المجتمع لعدم قدرتها على تقديم برامج تتحقق فيها آمال الشباب .
العامل البيئي أو الجغرافي:
يضاف إلى العوامل المساهمة في الهجرة من اقتصاد وسياسة، عامل القرب من أوروبا، ذلك الجزائر تشكل بوابة رئيسية وصلة وصل بين أفريقيا وأوروبا، هذا الموقع الجغرافي ، ساهم في تسهيل عملية انتقال الأفارقة على العموم والمغاربة على الخصوص إلى الضفة الشمالية للمتوسط،
رابعاً :انعكاسات ظاهرة الهجرة غير الشرعية على الأمن المتوسطي و آليات مواجهة الظاهرة.
تتفق معظم دول القارة الأوربية تقريباً داخل الاتحاد الأوربي وخارجه على معارضة الهجرة غير الشرعية بشدة من أفريقيا وغيرها، وفي المقابل لا تمانع بعض هذه الدول في السماح بقدر انتقائي من الهجرة للكفاءات والأدمغة المتميزة، ولو كان في ذلك استنزاف لهذه الكفاءات والأدمغة من مواطنها الأصلية، إلاَّ أن هذا الأخير يتم في إطار الهجرة الشرعية.
نظراً لتفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية إلى دول الاتحاد الأوربي أصبحت مسألة تقلق أوربا وهي العلاقة المحتملة بين الإرهاب والمهاجرين، حيث أصبح من الاحتمالات الواردة بالخصوص وجود أعضاء جماعات إرهابية بين المهاجرين، وتحوم الشبهات حول المسلمين من أفريقيا .
مما سبق نرى أن الدول الأوربية ترى في الهجرة غير الشرعية خطراً من عدة نواحي ولعدة اعتبارات منها:
1.الإخلال بالبناء الديموغرافي: حيث أن سيل المهاجرين المتدفق- إذا ما سمح له بالاستمرار- يمكن أن يقلب التوازن السكاني، وبالتالي تزداد نسبة هؤلاء المهاجرين في المجتمعات الأوربية مما يهدد كيان السكان الأصليين على المدى الطويل.
2.الإخلال بالنواحي الأمنية: فهؤلاء المهاجرون غير الشرعيين غير مسجلين ولا يحملون هويات إثبات شخصية، وقد يرتكبون جرائم، وشريحة منهم مسلمون قد ينتمون إلى جماعات مسلحة تؤمن بالعمل المسلح ضد الدول الأوربية في عقر دارها.
3.الإخلال بالوضع الاقتصادي: فرغم أن المهاجرين غير الشرعيين يساهمون في الغالب في توفير أيدٍ عاملة رخيصة، إلاَّ أن ذلك في حد ذاته قد يشكل خللاً في سوق العمل، فهذه العمالة الوافدة إلى أوربا قد تشكل منافساً للأيدي العاملة المحلية، إضافة إلى مشاكل اقتصادية أخرى قد تظهر بسبب عدم القدرة على تقدير أعداد العمالة الوافدة وتأثيرها.(9
- مواجهة الهجرة:
مع غياب إستراتيجية أوروبية أفريقية لمحاربة الهجرة غير الشرعية فإن الأمر لم يخل من بعض المبادرات المشتركة يمكن أن نلخصها فيما يلي:
-طلاق مبادرات مشتركة بين الدول المجاورة لمراقبة الحدود البحرية. وقد يتعلق الأمر بتنظيم دوريات مشتركة لكن مثل هذه المبادرات تبقى محدودة، فهي إلى جانب كونها تتطلب تنسيقا لوجستيا فإنها غالبا لا يمكن لها أن تمتد إلى كافة النواحي البحرية، وبالتالي فإن فعاليتها تظل محدودة.
-نسيق التعاون الأمني على مستوى المعلومات والمعطيات لتفكيك الشبكات العاملة في هذا الإطار. وفي هذا السياق تم عام 1992 إحداث مركز المعلومات والتفكير والتبادل بهدف تنمية التعاون بين مختلف الدول فيما يتعلق بالهجرة غير الشرعية وتنظيم الانتقال عبر الحدود.
-حداث مجموعة تريفي (TREVI) التي تضم وزراء العدل والداخلية، وتستهدف اتخاذ إجراءات بين مختلف الدول المتوسطية لمراقبة الحدود وتحديث الترسانة القانونية لردع المهاجرين السريين وكذلك الشبكات المختلفة العاملة في هذا المجال والناقلين سواء منهم البريين أو البحريين أو الجويين الذين أصبحوا مدعوين إلى الالتزام باليقظة في مراقبة الأشخاص الذين يتم نقلهم بين الدول.
السعي في ظروف سياسية خاصة مع وصول حكومات يسارية أكثر اهتماما بالمعاناة الاجتماعية إلى تسوية أوضاع هؤلاء المهاجرين السريين انطلاقا من بعض الشروط وفي ظل ما يسمى بنظام الحصص، وذلك لإدماجهم ضمن النسيج المجتمعي والتخفيف من معاناتهم داخل المجتمع الذي يقيمون فيه بشكل غير قانوني. وهذا هو المسار الذي سارت فيه الحكومة الإسبانية بقيادة الاشتراكي ثاباتيرو الذي خلف رئيس الوزراء أزنار.(10
لكن هذه الخطوات تبقى محدودة ولا يمكن أن تستوعب كافة المهاجرين المقيمين، وفي نفس الوقت لا يمكن أن توقف بشكل فعال من هذا المد. وتبدو هذه الآليات ذات الطبيعة القانونية الأمنية لحد الساعة محدودة التأثير، ومن ثم هناك قناعة واضحة لدى الطرفين -وخاصة دول جنوب البحر الأبيض المتوسط- وكذا العاملين في المجتمع المدني بأنها لا يمكن أن تكون فعالة إلأ من خلال:
أولا- إعادة تدبير ظاهرة الهجرة برمتها، ويتعلق الأمر بتفعيل الاتفاقيات المبرمة بين الدول فيما يتعلق بالهجرة والتي تنص على تخصيص حصة من المهاجرين بصورة قانونية تستقبلها الدول المتوسطية المتقدمة.
ورغم محدودية الحصة فإنها قد تشكل صمام أمان بالنسبة لتنظيم الهجرة والحيلولة دون تنامي الهجرة السرية.
ثانيا- علاوة على هذه الإجراءات الجزئية، فقد تبلورت قناعة مشتركة مضمونها أن محاربة الهجرة السرية تتطلب على المدى الطويل مواجهة الأسباب التي تقود إليها والتي تغلب عليها شروط الفقر وازدياد الفوارق وانسداد الأفق بسبب تنامي البطالة. ومن ثم لا مناص من سياسة تنموية تمكن من خلق فرص العمل واحترام الكرامة الإنسانية.
ومن ثم لا يبقى هذا الهدف ظرفيا وإنما يندرج ضمن إستراتيجية بعيدة المدى تتطلب إصلاحات عميقة على مستوى دول المنبع ومساهمة مادية على مستوى الدول المتقدمة المستقبلة لليد العاملة. وبصيغة أخرى فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب تنمية مستديمة قائمة على مشاريع وإنجازات ملموسة تسمح بتثبيت المواطنين في أماكن إقامتهم الأصلية. وفي هذا السياق يمكن أن نشير إلى إعلان برشلونة الذي شكل مقاربة شمولية تحتاج إلى إرادة وانخراط للدول الأوروبية المتوسطية لإنجاحها.
خاتمة :القول أن ظاهرة الهجرة السرية ليست مسألة ظرفية بل باتت مكونا هيكليا ما زالت الآليات المستخدمة لحد الساعة غير قادرة على تدبيره بشكل يحد من آثاره وانعكاساته سواء على دول المنبع أو الدول المستقبلة لهذا يجب :
أولاً: إعادة النظر في الهجرة ككل، ويتطلب الأمر تفعيل الاتفاقيات المبرمة بين الدول فيما يخص الهجرة والتي تنص على تخصيص حصة من المهاجرين بصورة قانونية تستقبلها الدول المتوسطية المتقدمة، ورغم محدودية الحصة فإنها قد تشكل صمام أمان بالنسبة لتنظيم
كتبها عبد النور في 10:31 صباحاً ::
الاسم: عبد النور
